إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قصة حمار القرية ( سياسي))

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

    قصة حمار القرية ( سياسي))

    في عصر من العصور عاش حمار حيناً من الدهر كان طويلاً .. ولم يكن ليعجبه حاله وما آل إليه بعد سنوات من الكد والجهد والبلاء الحسن .. فقد كان بحالة متذبذبة وعلى قناعة أن هناك خطأ ما .. لكنه لم يكن ليعرف قبل أن يلتقي بحمار آخر صادف أن إلتقاه في الطريق إلى المزرعة التي يعمل بها الأول ..
    الحمار الثاني يبدو من ملامحه أن حاله أفضل بكثير مما عليه الحمار الأول تعيس الحظ ، بل هو لاحظ ذلك فوراً ولم يتردد في السؤال عن السبب الذي يجعله أقل حظاً وبحالة سيئة بخلاف هذا الحمار الضيف . فسأله عن السبب . ولم يطل الحمار الثاني حتى بادره بالإجابة ، بعد أن أدرك مغزى سؤال زميله في الحمورية .. فقال :

    كنت يا زميلي مثلك تائهاً رغم كل الجهد وكل العمل الذي كنت أقوم به ، لكن لم أكن لأجد ذلك التقدير المناسب . فظننت أن بالأمر خلل ما أو أن الخلل كامن في ذاتي وشخصي لكن بعد جهد جهيد علمت أن الخلل لم يكن بي بل بالمزرعة التي كنت أبذل فيها كل جهدي ووقتي دون أي تقدير أو إلتفاتة طيبة من أصحابها أو القائمين عليها . فعلمت أن عازف الحي ، كما في أمثال بني البشر ، لا يطرب . وقد تقول لي : ما مناسبة هذا المثل البشري ، وأقول لك : اسمع هذه الحكاية..

    رأيت ذات يوم مجموعات من الحمير مختلفة الأحجام والألوان تسرح وتمرح في المزرعة التي أعمل بها ، وقد تم توفير كافة وسائل الرفاهية لها ، رغم أننا حمير المزرعة قد جفت حلوقنا ونحن نطالب بقليل من التقدير سواء المعنوي منه أو المادي ولكن لم تكن هناك حياة لمن تنادي ، فالأعذار المعلبة التي حفظناها كانت جاهزة لكل مطلب .

    على أن القهر كان يوم أن وجدنا كل مطالبنا تلك قد تجسدت على أرض الواقع وقد تم توفيرها لأولئك الحمير وبكل رحابة صدر وسعة ثغر ! رغم أنهم لا يزيدون علينا كفاءة أو قدرة أو أي ميزة أخرى ، بل كان منا من يفوق أولئك جميعاً خبرة وكفاءة في كافة أنواع العمل ، بدءاً من الحرث والجر وانتهاء بحمل الأثقال والمتاع ، وكل ذلك كان وما زال يتم بهدوء وصبر عجيبين لا مثيل لهما ..

    يقول الحمار : أمام كل تلك المشاهد تذكرت على الفور ذلك المثل المتداول بين بني البشر ، فقلت في نفسي مثلما قالها أيضاً زملائي الحمير الآخرين في نفوسهم ، أن عازف الحي بالفعل لا يطرب أهل الحي ، لكن أي عازف فاشل من خارج الحي يطرب له الكل متبوعاً بالإعجاب والتقدير المادي قبل المعنوي ..

    وأمام ذلك المشهد المؤلم ، رأيت أن ألعب اللعبة نفسها وقررت أن أعزف بدوري نفس الألحان والأغنيات ، لكن ليس في مزرعتنا أو القرية التي أعيشها ، بل في قرية أخرى . وكم كانت المفاجأة كبيرة حين وجدت الثناء والترحاب بل والتقدير لكل عمل أقوم به وكأنه سحر أو عمل خارق لم يصل اليه حمار من قبلي .

    علمت أن الخطة نجحت وأن اللعبة تسير في مسارها الصحيح ، وعلى ضوئها قررت أن أستمر في اللعبة التمثيلية.. وبفضل ذلك تحسنت أحوالي وصار أسمي يتردد في المزارع الأخرى المنتشرة في القرى المحيطة بقريتنا ، بل صارت مزرعتي وقريتي تنظر إلى شخصي بنظرة مختلفة ، وصارت تحترم أعمالي ووجهات نظري ، وتتمنى رجوعي . لكن هيهات هيهات أن أعود إلى الذين لم يعرفوا قدري وقيمتي ، بل ما الذي يضمن ألا أعود إلى حالتي السابقة إذا ما قررت الرجوع إلى مزرعتي وقريتي الأم ؟ لا شيء يضمن ذلك ، بل كل شيء جائز ..

    تأوه الحمار الأول وتحسر على حاله وما هو فيه ، وثبت له بالفعل صدق المثل البشري الذي يردده الحمار الثاني وهو أن عازف الحي لا يطرب . وعلى إثر ذلك قرر أن يعزف خارج مزرعته أو قريته بالمثل ، فإن إمكانياته وقدراته التي سيعزف عليها بالخارج ، ستلقى القبول دون شك ، فإن هذه هي اللعبة المقبولة والشائعة في كثير من المزارع والقرى اليوم . فإذا كانت هذه هي حالة القرى اليوم ، وهكذا يجري تيار الأمور ، فإن الوقوف أمامه سيكون من الخطأ الفادح وتجنبه ولو إلى حين هو عين الصواب والحكمة أيضاً .. هكذا استشعر الحمار الأمر وقرر أن يقوم بالخطوة التالية ..

    تعلم الحمار بطل قصتنا ، أن واقع مزرعته وقريته بعيد عن المثالية ، وأن المثاليين من الحمير أصحاب المبادئ والقيم هم من الكادحين المغلوبين على أمرهم ، في حين العكس حاصل وبكل وضوح مع الحمير المخادعين والممثلين . وقد قرر حمار القرية هذا ، والحالة هكذا يراها في قريته وبعض القرى المحيطة بها ، أن يسير في موكب أولئك الحمير المخادعين الممثلين ، ويدع المثل والقيم والمبادئ على جنب في إحدى اسطبلات الحمير وإلى حين من الدهر قد يطول ولكن ليس مؤكداً أنه يقصر .

    وما قام به الحمار بطل القصة من تجميد مبادئه ومثله وقيمه التي تعلمها منذ أن كان جحشاً صغيراً يتعلم ويحفظ في أحد زوايا المزرعة ، فلأنه رأى عدم فاعليتها ، رغم المحاولات العديدة التي قام لتجسيدها على أرض الواقع مع بقية زملائه الحمير المثاليين ، ولكنهم جميعاً أدركوا أنها بلا جدوى وقيمة ، ليس لأنها غير صالحة في ذاتها ولكن لأن البيئة كانت هي غير الصالحة وتربتها لا تتقبل مثل تلك المبادئ والقيم أن تُزرع فيها وتتجذّر . فقرر أخيراً العودة إلى مزرعته وتطبيق ما دار بباله من أفكار ..

    المفاجأة كانت بالفعل كبيرة بالنسبة للحمار . ذلك أنه ومنذ اللحظات الأولى للتخلي عن مبادئه وجد أن المجال بعد أن عاد إلى مزرعته وقريته الأم ، بدأ المجال يتسع له ، وبدأت الأبواب التي كانت غالباً موصدة أمامه ، تتفتح بل صار يجلب الاهتمام أيضاً !

    لم يمض كثير وقت حتى ترقى الحمار في المزرعة وصار يقفز سريعاً في المناصب حتى وصل إلى درجة مدير عام الاسطبل الرئيسي الخاص بالخيول ، وليست أي خيول ، دون أن يمر باسطبلات الحمير أو بيوت الدجاج وحظائر الغنم . فقد كانت تطلعاته أعلى من الحظائر وبيوت الدجاج ومخازن الشعير والبرسيم . ولقد كان اسطبل الخيول هو بمثابة الخطوة الأولى نحو السيطرة على المزرعة بقضها وقضيضها ، بخيولها وحميرها وغنمها ودجاجها وبقية الطيور والحشرات الصغيرة التافهة . يريد أن يكون هو الآمر الناهي ، بل لم لا يكون كذلك ؟ هكذا تساءل الحمار بينه وبين نفسه التواقة الى التقدير والتعظيم ، حتى لو كانت الوسائل غير مشروعة .. وتحقق له ما أراد .

    صار سكان المزرعة والمناطق الأخرى من القرية يتساءلون عن هذا الحمار المثالي أو الذي كان مثالياً يحرص على مبادئه وقيمه ويقاتل من اجلها ، يتساءلون عن التحول الحاصل عنده ، وسعيه الدائم للسيطرة والتحكم واستعجال الثراء والجاه بغض النظر عن الوسائل .

    أثارت التحولات التي حصلت في حياة الحمار الكثير من العاملين في المزرعة والمزارع الأخرى القريبة التي وصلتها أخبار الحمار المثيرة . ولقد ساد جو من عدم الارتياح بين سكان المزرعة لما يجري فيها ، ذلك أن المجتهد يكون غالباً هو الضحية ويكون المهمل أو من له صلة بحصان قوي أو حمار مؤثر في المزرعة من الواصلين ، بل يحقق مبتغاه بكل سهولة ويسر . ولقد أصبح الجميع قاب قوسين وأدنى من أن يسيروا على خطى زميلهم الحمار ، فإنها بالفعل خطوات تحقق ما بالنفس من أمنيات وطموحات وبسرعة ودون مجهودات كبيرة ، سوى الجهد المبذول في كيفية إتقان لعبة التمثيل والظهور بمظهر الحريص على المصلحة العامة للمزرعة ومن فيها .

    ولكن ما جعل الكثيرين يقفون للحظات قبل الإقدام والسير على نهج الحمار ، هو بقية باقية من ضمير شبه حي يرفض الوصول السريع وتحقيق المكاسب على حساب آلام الغير ، مثلما فعله يوما زال يفعله الحمار ، الذي صار يعيش حياة مرفهة لم يكن ليقدر على أن يحلم بها في سالف الأيام ، فضلاً عن أن يعيشها ..

    القصة لم تنته بعد . فإن الحمار ما زال يحقق تقدمه ومكاسبه وأهدافه ، وما زال أصحاب الضمائر في المزرعة ينتظرون أن تتغير الأمور ويسقط الحمار ، لتتجدد الآمال بسيادة الكفاءة والجدارة في المزرعة ، وانتشار المبادئ والقيم الفاضلة فيها .. وحتى ذلك الوقت نتوقف وننتظر النتائج لنكمل على ضوئها القصة ، ولننظر أي الفريقين انتصر وربح الرهان ، فريق الحمار أم فريق المثاليين أصحاب القيم والمبادئ ؟ لننتظر إذاً ...

    #2
    كلام كبير وواقعي يا خالد


    وانا فهمت المغزى



    مشكور على الموضوع

    تعليق


      #3
      الله يعطيك ويعطي حميرك العافيه

      تعليق


        #4
        ااااااااااااااااااااااااااااانتبه من الحمير يا خالد

        تعليق

        يعمل...
        X